أبي منصور الماتريدي

52

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

فمن قرأ مبينة بالخفض فمعناه : أن نفس الفاحشة إذا تفكر فيها المرء ، ونظر تبين له : أنها فاحشة . ومن قرأ مبينة بالفتح ، عني به : أنها مبينة بالبراهين والحجج . وقوله - عزّ وجل - : وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ . الحدود : الموانع والنواهي ، لا يحل مجاوزتها ، ومن ذلك سمي الحداد : حدادا ؛ لأنه يمنع تحديده « 1 » كل أنواع أمتعته « 2 » أن تجاوز حدها الذي جعل لها ، والحد في الحقيقة هو : النهاية التي ينتهى إليها فلا يجاوز ، وإذا كان كذلك كان الخيار إلى صاحب التأويل : فإن شاء حمله على الحد بين الطاعة والمعصية [ أو بين ] « 3 » الحلال والحرام ؛ حيث ذكر في هذه الآية أنواعا من النهي ؛ فسمي ذلك كله : حدودا . وقوله - عزّ وجل - : وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ . أي : ضر نفسه ، ويجوز أن يكون المعنى منه ، أي : إن جاوز هذا الحد الذي جعله لله تعالى ، فقد وضع نفسه مكانا لم يضعه فيه ربه ، والظلم في الحقيقة وضع الشيء في غير موضعه . والتأويل الآخر : أن « 4 » من جاوز موانع الله ونواهيه ، فقد ظلم نفسه ؛ دل هذا على أن منافع هذه النواهي ومضارها لا ترجع إلى الله ، بل ترجع نفس الممتحنين « 5 » . وقوله - عزّ وجل - : لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً . أي : لا يطلق ؛ فإنه إذا طلق لا يدرى لعل الله يحدث بعد ذلك ندامة على ما سبق من فعله أو رغبة فيها ؛ فيكون فيه دلالة النهي عن نفس الطلاق ، وقد بينا كراهة نفس الطلاق في الحكمة في أنه ليس من نوع ما يتقرب به ؛ فيكون فيه [ الزيادة في القربة ] « 6 » ولا مما يستمتع به فيكون فيه زيادة في الاستمتاع ، بل المقصود منه التأديب والمخلص ، وفي الواحدة كفاية عما « 7 » زاد عليها ؛ فكان في هذه الآية دلالة النهي عن نفس الطلاق ، وعن الزيادة على الواحدة والله أعلم .

--> ( 1 ) في ب : بحديدة . ( 2 ) في أ : فيه . ( 3 ) في ب : أو ما بين . ( 4 ) في ب : أي . ( 5 ) في أ : رجع نفس الممتحن . ( 6 ) في ب : زيادة في القرابة . ( 7 ) في ب : فيما .